ابن عربي
485
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
الأشقى أشقى ما دام يصلي النار الكبرى ، كما قال تعالى : [ سورة الأعلى ( 87 ) : الآيات 12 إلى 13 ] الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى ( 12 ) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى ( 13 ) [ « ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى » الآية : ] فجاء بثم بعد حكم كونه يصلى النار ، فبين كونه يصلى وبين كونه لا يموت ولا يحيى ، قدر ما تعطيه حقيقة ثم في اللسان التي للعطف ، فينتقل الحكم عليه بذبح الموت ، فأهل النار بعد انقضاء فترة العذاب لا يموتون فيها ولا يحيون ، كما يقال في النائم ما هو بميت ولا حي ، فراحة أهل النار بذبح الموت راحة النائم ، فلا يموت ولا يحيى ، أي لا تزول هذه الراحة له مستصحبة ، فنعيمهم نعيم النائم في النار ، فلا يستيقظ أبدا من نومته ، فتلك الرحمة التي يرحم اللّه بها أهل النار الذين هم أهلها وأمثالها ، كالمحرور يتنعم بالزمهرير ، والمقرور منهم يجعل في الحرور ، فهم في نعيم النار دائمون مؤبدون ، كنعيم النائم بالرؤيا التي يراها في حال نومه من السرور ، وربما يكون في فراشه مريضا ذا بؤس وفقر ، ويرى نفسه في المنام ذا سلطان ونعمة وملك ، فإن نظرت إلى النائم من حيث ما يراه في منامه ويلتذ به قلت : إنه في نعيم وصدقت ، وإن نظرت إليه من حيث ما تراه في فراشه الخشن ومرضه وبؤسه وفقره وكلومه ، قلت : إنه في عذاب ، وذلك كلّه بعد قوله ( لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ) ذلك زمان عذابهم وأخذهم بجرائمهم قبل أن تلحقهم الرحمة . [ سورة الأعلى ( 87 ) : الآيات 14 إلى 15 ] قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ( 14 ) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ( 15 ) أثنى اللّه تعالى على الذاكر ، وهو الذي كان له علم بأمر ما ثم نسيه ، لما جبل عليه الإنسان من النسيان ، ولما توهم بعض الناس بما أضاف اللّه إليهم من الأعمال والأموال والتمليك أن لهم حظا في الربوبية ، وأنها من نعوته وله قدم فيها ، اعتنى اللّه بمن اعتنى به فقال « وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى » أي تأخر إلى مقام عبوديته ، وأفرد الربوبية للّه تعالى ، فأفلح من جميع